حيدر حب الله
55
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
ثم أورد الفخر الرازي على نفسه بجواز أن يُراد السبق إلى الإسلام من جهة ، وإمكان عروض وصف آخر لأبي بكر بعد أخذه الخلافة ، فتكون الآية دالّةً على توصيفه في مرحلة خاصّة . وأجاب بأنّ السبق إلى الهجرة يتضمّن السبق في الإسلام دون العكس ، فيكون الأوّل أولى ، والتخصيص الزماني خلاف الإطلاق في الآية ، فقد أثبتت الرضا دون استثناء ، وعندما يرتّب الرضا على وصف السابقين المعلّل بالهجرة والنصرة ، فإنّه يقتضي بقاء الرضا الإلهي ببقاء الوصف ، والمفروض بقاء الوصف فيبقى الرضا ، مضافاً إلى أنّ تهيئة الجنان لهم ظاهرةٌ في ذلك « 1 » . إلا أنه يمكن التعليق على كلام الفخر الرازي ، وذلك : 1 - إنّ ( من ) الواردة في الآية ، إما بيانيّة أو تبعيضيّة ، فإن كانت بيانيةً لم يكن وصف المهاجرين والأنصار مأخوذاً على نحو علّة السبق وملاكه ؛ لأنّ المفروض أن يصبح المراد : والسابقون الأوّلون الذي هم كلّ المهاجرين والأنصار . ومعه لا يصحّ ما ذكره الرازي ، ولا تعود هناك قيمة لأوّل من هاجر فضلًا عن أن تثبت إمامة أبي بكر بذلك . لكنّ الآية على هذا تصبح دالّةً على الرضا الإلهي عن مجموع المهاجرين والأنصار . وأما إذا كانت ( من ) تبعيضيّةً ، فكما يمكن تصوّر احتمال الرازي ، كذلك يمكن تصوّر احتمالٍ آخر ، وهو أن يكون السابق من المهاجرين والأنصار هو السابق مطلقاً ، وإنّما ذكر هذان الوصفان ليشيرا إلى أنّ السابق منحصرٌ في دائرة هؤلاء ، وهذه إضافة دلاليّة تساعد على معرفة حال السابق وترفع قدراً من الإبهام عنه ، فليس الوصفان لبيان ملاك السبق ، بل هما لتحديد المساحة التي يقع السابق داخلها . بل يمكن القول بأنّ السابق على نوعين : أحدهما سابق وهو الأوّل زماناً في السبق إلى العلم والخير والتقوى ، وثانيهما سابقٌ ، لكنه ليس الأوّل زماناً ، فأرادت الآية أن تُعطي
--> ( 1 ) انظر : التفسير الكبير 16 : 168 - 171 .